الخطيب الشربيني

311

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والحسن والحسين فقال : هؤلاء أهل بيتي فقلت : يا رسول الله ما أنا من أهل البيت فقال بلى إن شاء الله » « 1 » وقال زيد بن أرقم : أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس ، قال الرازي : والأولى أن يقال لهم أولاده وأزواجه والحسن والحسين ، وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولملازمته له . ولما استعار للمعصية الرجس استعار للطاعة الطهر ترغيبا لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة في الطاعة وتنفيرا لهم عن المعصية بقوله تعالى : وَيُطَهِّرَكُمْ أي : يفعل في طهركم الصيانة عن جميع القاذورات الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه ، وزاد ذلك عظما بالمصدر بقوله تعالى : تَطْهِيراً وعن ابن عباس قال : شهدنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً الصلاة رحمكم الله كل يوم خمس مرات « 2 » ، ثم بين تعالى ما أنعم الله به عليهن من أن بيوتهن مهابط الوحي بقوله تعالى : وَاذْكُرْنَ أي : في أنفسكن ذكرا دائما ، واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم ما يُتْلى أي : يتابع ويوالى ذكره فِي بُيُوتِكُنَّ أي : بواسطة النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي خيركن . وقوله تعالى : مِنْ آياتِ اللَّهِ أي : القرآن بيان للموصول فيتعلق بأعني ، ويجوز أن يكون حالا إما من الموصول ، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضا ، واختلف في قوله تعالى : وَالْحِكْمَةِ فقال قتادة : يعني السنة ، وقال مقاتل : أحكام القرآن ومواعظه إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له جميع العظمة كانَ أي : ولم يزل لَطِيفاً أي : يوصل إلى المقاصد بلطائف الأضداد خَبِيراً أي : بجميع خلقه يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه خافية ، فيعلم من يصلح لبيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومن لا ، وما يصلح الناس دينا ودنيا ، وما لا يصلحهم . والطرق الموصلة لكل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس . من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ، ولقد صدق الله تعالى وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم خيبر ، فأفاض بها من رزقه الواسع . ولما توفى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ليحميه من زهرة الحياة الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن ، فعم الفتح جميع الأقطار ، الشرق والغرب والجنوب والشمال ، ومكن أصحاب نبيه صلّى اللّه عليه وسلم من كنوز تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يكيلون المال كيلا ، وزاد الأمر حتى دوّن عمر رضي الله تعالى عنه الدواوين . وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء ، وكان أولا لا يفرض للمولود حتى يفطم ، فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه لا تعجلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ، وفاوت بين الناس في العطاء بحسب القرب من النبي صلّى اللّه عليه وسلم والبعد منه ، وبحسب السابقة في الإسلام والهجرة . ونزل الناس منازلهم بحيث أرضى جميع الناس ، حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه فقال : تركتهم يسألون الله تعالى أن يزيد في عمرك من أعمارهم ، قال عمر : إنما هو حقهم ، وأنا أسعى بأدائه

--> ( 1 ) أخرجه بلفظ : « أنت على مكانك وأنت على خير » الترمذي في تفسير القرآن حديث 3205 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3206 .